الأحد، 25 أكتوبر، 2015

التدابير ذات الأولوية لوزارة التربية الوطنية : ملاحظات منهجية

الجريدة التربوية
عبد العزيز دهلي– مفتش في التخطيط التربوي

الجديدة في : 15 أكتوبر 2015

إن مقاربة " التدابير ذات الأولوية " من خلال قراءة نقدية منهجية تحتمل قراءات متعددة و من مستويات و مداخل متنوعة : قراءة في التسمية – في المنطلقات – في الأهداف – في المضامين – في الإجراءات ...

فإذا حاولنا إنجاز قراءة في التسمية والتي هي : " مدرسة جديدة من أجل مواطن الغد :الرؤية المستقبلية 2030 لوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني : التدابير ذات الأولوية " ، نجد أن تسمية التدابير ذات الأولوية ، تقتضي الإحالة لزوما ، على وجود تدابير أخرى من مستوى ثان وغير ذات أولوية ، تم تأجيلها تصورا وتفعيلا– نظريا على الأقل - لمراحل زمنية موالية لزمن الإصلاح الحالي، والذي يتخذ له مدى زمنيا يمتد من سنة 2015 إلى سنة 2030، كما حددته الوزارة ؛

تتحدث الوزارة– في معرض التسمية - عن رؤية شمولية لإصلاح المدرسة المغربية وعن تدابير ذات أولوية ، فما هي هذه الرؤية الاستراتيجية ؟ مكوناتها ؟ المبادئ التي انبنت عليها ؟ مقوماتها ؟ مرجعياتها العلمية ؟ ... ؟

إلى حد الآن لم يصدر عن الوزارة أية وثيقة تحدد الرؤية الشمولية التي انبثقت عنها التدابير ذات الأولوية.

كما أن أي حديث عن تسمية تدابير ذات أولوية هو من قبيل الحديث عن تدابير وإجراءات استعجالية ، أي أن هم إصلاح المنظومة بمنطق استعجالي ينبني على ترتيب للأولويات وإعطاء الأسبقيات لقضايا دون أخرى ، هو نفس المنطق الذي حكم إصلاح المنظومة خلال مرحلة البرنامج الاستعجالي ، أي الاهتمام بقضايا تربوية دون أخرى ؛ وبذلك يصير من حق المغاربة جميعا أن تتقاسم معهم الوزارة المعنية الرؤية الشاملة أولا ، وترتيب الأولويات ثانيا ، وفق منهجية تعتمد ، أيضا الاستشارة والإنصات والتشارك وليس الإشراك ، أما أن يتم تسويق مجموعة من التدابير اعتبارا لكونها ذات أولوية ، فيدفع حتما إلى طرح السؤال التالي : هذه التدابير هي ذات أولوية مقارنة مع ماذا : مع التشخيص ؟ مع الرؤية الاستراتيجية ؟ مع الأهداف ؟ ...؟وهي ذات أولوية بالنسبة لمن : للمدرس ؟ للوزارة ؟ للمدير؟ للمفتش ؟ للمجتمع ؟ ... للتقني ؟

إضافة إلى كون مفهوم " تدابير ذات أولوية " قد يثير الكثير من الجدال ، اعتبارا لكون ترتيب الأولويات ، الذي احتكرته وزارة التربية الوطنية وحدها ، ودون اعتماد مقاربة تشاركية مع كل الفاعلين المعنيين مباشرة بالإصلاح: أساتذة – إدارة تربوية ومفتشين، إضافة إلى الشركاء الاجتماعيين والمهنيين، الذين قد لا يتفقون مع هذا الترتيب ولأسباب كثيرة ومتنوعة ، ينتج عنها ، للأسف الشديد قلة الحماس للإصلاح وضعف الانخراط في تنزيله وتنفيذه مقتضياته .

وإذا كانت وزارة التربية الوطنية تصرح بأنه تم بناء التدابير ذات الأولوية انطلاقا من نتائج الاستشارات الموسعة التي أجرتها الوزارة خلال الموسم الدراسي 2013-2014 ،فإنه من غير السليم أن يكون البناء انطلاقا من هذا المنطلق فقط ، دون الاحتكام إلى منطلقات منهجية علمية مبنية على دراسات تقييمية وطنية ودولية للحصيلة وعلى آخر المقاربات العلمية للتعلمات وللنتائج إضافة للاستشارة والإشراك والإنصات في كل المراحل ؛ إذ أن الاستشارة التي أجرتها الوزارة وانطلقت منها وحدها فقط لبناء تدابير ذات أولوية لإصلاح منظومة التربية والتكوين ، يفترض أن نميز خلال هذه الاستشارات بين مستوى الانصات وبين مستوى أخذ المقترحات بعين الاعتبار ، إذ لا نتوفر على وثيقة رسمية للوزارة تبين فيها بوضوح مدى دمجها لمقترحات ونتائج الاستشارات في بناء التصور العام للإصلاح .

وللبرهنة على غياب التصور العلمي الدقيق في بناء التدابير ذات الأولوية سأقتصر هنا على مثالين فقط ، نظرا لعدم وجود حيز كاف لسرد كل النماذج والأمثلة ، فنحن لا نتوفر في المغرب على مرجعيات وطنية علمية دقيقة لتقييم التعلمات ونتائج التحصيل الدراسي وعلى توصيف دقيق للمهارات وللكفاءات لكل مستوى تعليمي و لكل سلك تعليمي ، يتم الاحتكام إليها عند إجراء أي تقييم ، بل يتم التقييم انطلاقات من مهارات وكفاءات مفترضة ومتوقعة أوانطلاقا من معايير دولية ؛ وعليه فإن إجراء أي إصلاح في المنهاج أو في النموذج البيداغوجي سيتم حتما بمقاربة لا تعتمد المنهجية العلمية الدقيقة ، لأنه لم يتم تقييمه على أسس علمية ، إذا كان هناك تقييم أصلا .

ثم إن الاقتصار على إصلاح المنهاج الدراسي في التعليم الابتدائي بالنسبة لأربع سنوات فقط ، دون باقي السنتين الأخريتين ، ليطرح أكثر من علامة استفهام ، على هذه النظرة التجزيئية لإصلاح منهاج دراسي لسلك تعليمي يتكون من ست سنوات دراسية ؛

إنه نفس المنطق التجزيئي للإصلاح ونفس النفس : تسويق الإصلاح بتدابير استعجالية ، لم تتبن المنهجية العلمية بناء وإعدادا وتنزيلا .

وفي الختام ، نعبر عن أسفنا العميق لكون الوزارة تخطئ التاريخ ، مرة أخرى ، مع الإصلاح ، وتحاول أن تسوق مجموعة من التدابير والإجراءات التي تتقاسم : عدم وضوح الرؤية – عدم الوضوح الأهداف – عدم وضوح الاختيارات : التدابير ذات الأولوية - تدريس الحروف في سنتين دراسيتين –الباكلوريا المهنية –الباكلوريا الدولية - ... أسماء جميلة لمسميات غير واضحة .

إذا أضفنا إلى كل هذا عدم توفير أهم شروط النجاح ، الذي كان سببا مدمرا لكل محاولات الإصلاح السابقة ، وهو انخراط الفاعلين المباشرين : مدرسين وإدارة تربوية ومفتشين ، في تنفيذ وتنزيل الإصلاح وتدابيره ومقتضياته ، فإنه يتكون لدينا تصور على مصير محاولة الإصلاح الحالية ، التي نتمنى لها – من أعماق قلوبنا – كل النجاح ، لما أضاع هذا البلد السعيد من زمن في محاولات الإصلاح تلو المحاولات تلو المحاولات ، فقط لأن وزارة التربية الوطنية المشرفة على القطاع تلعب مقابلة إصلاح المدرسة المغربية في غير ملعب المباراة .


ليست هناك تعليقات:

ط§ط¶ط§ظپط© طھط¹ظ„ظٹظ‚

الجريدة التربويةالجريــــدة التربويـــة