امهات واباء واولياء التلاميذ ومشروع المدرسة العمومية

امهات واباء واولياء التلاميذ ومشروع المدرسة العمومية
في إطار التعبئة الشاملة لخــــلق جبهة عريضة للدفاع عن المدرسة العـــمومية كمرفق عمومي يقدم خدمة جيدة ومجانية لأبناء المغاربة.هذه الجبهة، التي تتشــكل من أحزاب ونقابات وجمعيات ،لا يمكنها أن تتجسد على ارض الواقع دون إطلاق نقاش عام حول المدرسة العمومية يسمح بفتح هذا المرفق العمومي في وجه الجميع ،مع إزالة تقــــاليد تدبيره العسكراتي ،يأتي هذا المقال ليتناول هذه التقاليد الأخيرة التي استبطنها المغاربة منذ عقود .فإذا كانت المـــــدرسة ،كمؤسسة إيديولوجية يتحكم فيها النــظام السائد ،قــد عاشت سنوات رصاصــها هي كذلك ،فان النضالات التي تتفجر اليوم وغدا ،سواء في المجال الاجتماعي والاقتصادي أو السياسي أو الثقافي، ستطال تلك المدرســة وستنال حظها من تلك النضالات .فـــي هذا الإطار تأتي التعبئة والتوعيــــــة الشاملتين لأهمية المرفق العمومي، سواء في الصــــحة أو التعليم أو النقل أو السكن ،كمدخل لاستقطاب الجماهير إلى النضال من اجل مرفق عمومي يلبي حاجيات المـــــغاربة الأساسية أولا وأخيرا ،وفي إطار من الديمقراطية وصون الكرامة .



إن ما تشهده المدرسة المغربية اليوم من هجوم على مكتسبات الشعب الضــــئيلة داخل


هذا المرفق العمومي ،وما خلفته سياسة الخوصــــــصة التي سنتها الدولة ،من كوارث تربوية، لا يمكن إيقافه إلا بالنضال تنخرط فيه كل الأطراف المعنية بهذا القطاع بشـكل


مباشر أو غير مباشر .


ومن ضمن هذه الأطراف المعنية بشكل مباشر ،أمهات وآباء وأولياء التلاميذ .إن قراءة بسيطة لوضع هذا الطــرف ،الأساسي في بناء جبــهة عريضــة للدفاع عــن المدرســة العمــومية ،تطـــرح مجمـــوعة من التساؤلات حــــول وعيـــها النضــــالي المتدنــي ،


وحول إطاراتها الجمعوية التي يساير اغلبها الإدارة التربوية ،وكذا حول ما تراكم لديها من تصورات وتمثلات سلبية حول المدرسة .


ولتشــخيص وضـــعية هذا الطرف ،يكفي أن نعاين الشريـــــحة التي ترافق أبناءها إلى المدرســـــة بشكل يومي وعند الضرورة .ومن خلال معاينة شاملة لبوابات المـــدارس العمومية قبل الدخول وبعده ،سنلاحظ لا محالة ،أن النساء يحضرن بكثافة .لماذا النساء ؟وأين هم الرجال ؟قد يبرر البعض هذا الأمر بكون الرجال لا يجدون وقتا،بسبب العمل ،للحضور مع أبناءهم إلى المدرسة .وقد يبرره آخرون بكون المدرسة من أمور التربية ،وما دامــت النساء يتكلفن بالأبناء وبتربيتهم ،فان مهــمة الحضور إلى المدرسة أوكلت إليهن .لكن تبقى هذه التبريرات ناقصة ،إذ العمل ليس مقتصرا اليوم على الرجال ،كما إن تربية الأبناء ليست حكرا على النساء .لقد تفاعلت عوامل عدة لإفراز هذه الظـاهرة،


لكن يبقى العـــامل الثقافي، وما ينتجه من تمثلات سلــــبية حول المـــــدرسة لدى الآباء الغائبون ،وحـتى لدى الأمهات الحاضرات باستمرار ،محددا أساسيا لتصحيح المســـار وتحســــيس الجمــيع بثـــــقافة المرفق العمومي المحفزة على الانخراط الايجابـــي في الشأن التربوي .فبـــحكم ثقافة الزجر التي تبثـها مؤسســـات الدولة منــذ ستينيات القرن الماضي ،والخشية التي تتملك المغاربة عند ولوجها ،إذ تتشــــابه لديهم الإدارات بحكم تدبيرها البيروقراطي والمهين ،قد حول هذه المؤسسات إلى رموز قمع يتفاداها اغـــلب المواطنين، نظرا لما تثيره في أنفسهم من مشاعر الخوف والرهبة .يسري الأمر كــذلك على المدرسة، كمؤسسة تابــــعة للدولة .ولتـــأكيد هذا الأمر استعين بالطفل الذي كنته، وبمخاوفه الطفولية منذ أن التــــــحق بالمــدرسة أول مــرة في نهـــاية الستينيات القرن الماضي .فتمثلات هذا الطفل حول المدرسة تؤثثها مشـــاعر الخوف والرهبة .الخوف من المــدير والمعلم والحــارس .وقد تعززت هذه التمثلات الســـلبية بالطبيعة الزجرية للطرق التربوية المتبعة آنذاك.تلك الطبيعة العنيفة التي قبل بها الطفل الذي كنته مرغما ،وحمل معه ،إضافة إلى المحفظة ،طوال سنوات التمدرس ،خصوصا بالسلك الابتدائي ،تاريخا عنيفا واجهه أحيانا بالعنف المضاد ،العبث بتجهيزات المدرسة ،الانقطاع عــن الدراسة لمدة شهر ،وأحيانا كثيرة بالاستسلام والقبول بالأمر الواقع .


حكاية الطفل هذه ليست استثناء بل صورة مصغرة لما تعرضــت له أجيال الخمسينات والستينات والسبعينات ،من قمع تربوي يفسر ظــاهرة عزوف الآباء اليوم مصــــاحبة أولادهم إلى المدرسة .والغالبة العظمى من هؤلاء الآباء ،وحتى الأمهات ،لهم تاريـــخ متوتر وصدامي مع المدرسة،لذلك فهم يتفادون العودة إلى هذا التاريخ وفتحه من جديد .الأمر الذي كرس احتكار الأمهات مهمة مصاحبة الأولاد إلى المــدرسة .هذا الوضـع السلبي مازال مستمــرا إلى حـــدود اليوم ،كمــا أن الاستمرار في عزل هذا الطـــرف الأساسي في العملية التربوية عن كل ثقافة مشاركة حقيقية والانخراط الايجابي في بناء ثقافة المرفق العمومي المعبئة للنضال والدفاع عن المدرسة العمومية الضـــامنة لتعليم جيد ومجاني لا بناءهم،مازال قائما .أما بخصــوص الإطــارات الجمعوية التي ينتظــم داخلـــها هذا الطرف،فاغلبها لا يقوم إلا بادوار محــــدودة تتلــــخص في استـــخلاص الانخراطات والبروز إلى جانب الإدارة التربوية كممثل شكلي لآباء وأمهات التلاميذ، ولتزج بها تلك الإدارة فـي شراكة زائفة تـــخدم في نهاية المطاف سيــــاسة خوصصة القطاع. إن دور المسايرة الــذي تقوم به اغــــــــلب جمعيات أباء وأمــــهات وأولـــياء التلاميذ ،لا يمكنه بالمطلق أن يعمل عـلــى تعبئة تلك الشريحة الواســـــعة ،والرفع من وعيــها بضــرورة النضــال من اجل مدرســـة عمومية تبني للمستقبل .


لهذا ينـــــتظر المناضــلين الجمعويين وكذا النقابيــين، جهدا كبيرا ،يفــضح ،من جهة، تواطــىء وتبقرط تلك الجمعيات ،ومن جهة أخرى ،يعمــل على توعيــة تــلك الشرائح بضــرورة الانخراط في معركة المدرسة العمومية المصيرية .


بنسر كاو في 07/11/09
رئيس جمعية الآباء سابقا
عن  التوجه النقابي الكفاحي