الاطفال في وضعية اعاقة والمعاناة المستمرة

لقد أظهرت الدراسات العلمية في مجال الإعاقة, سواء الذهنية منها أو الجـــــسدية ,أن مسببات تلك الإعاقة متعددة ومختلفة ,فمنها المرتبطة بما هو فيزيولوجي ومـا هو اجتماعي أو اقتصادي . لقد تواترت الإحصاءات في هذا المجال لتثبيت نسب كل سبب على حـــدة في خلقه لظـــاهرة الإعـــاقة. وباعتباري أستاذ قــــسم الدمج المدرسي، فقد سمح لي الاتصال المباشر بالتلاميذ في وضعية إعاقة بشكل يومي, بتسجيل الملاحظات حول سلوكات هــــذه الفئة من التلاميذ ,حضورهم وغيـــابهم الملازم لهم، وكذا وثائر تعلماتهم ، والطرق البيداغوجية التي استعملها معهم . هذا الأمر دفعني إلى طرح مجموعة من التساؤلات حول ما تتعرض له هذه الفئة من اغتصاب لحـــقوقها الإنسانية من طـــرف المجتمع، واستبــــــطانها هي ذاتها لأحاسيس الدونية وتبعيتها المطلقة لذويها.

وقبل الخوض في المعطيات الميدانية المتوفرة لدي , لابد ا ن أشير إلى النقــــص المهول في الدراسات العلمية لظاهرة الإعــــاقة في بلادنا ,وكـــذا غياب الاهتمام الجدي بهذه الظاهرة ، سواء من طرف الســـلطات التربوية أو الاجتماعية أو من طرف الباحثين في مجال التربية والإعاقة. وكل ما هو مــتوفر اليوم هو دراسات محلية معتمدة على الدراسات الأجنـــبية، وعموميات قد تعرف بظاهرة الإعـــاقة لكنها لا تعمل على تشخيص تجسيداتها الواقعية ،ومحاولة التدخل لتسهيل الـــحياة بالنسبة للمصابين بها.
تعاملت مع مجموعة من الأطفال يتراوح أعمارهم ما بين 6 ســـــنوات و14 سن سنة، فتيان وفتيات تختلف إعاقاتهم من ذهنية بسيطة إلى ذهنية شديدة وذهنية حركية ، وأخــــــيرا إعاقة على مستوى النطق.كل عنصر من هذه المجموعة له عاداته وعالمه الخاص به. ففيهم المنفتح على الآخرين والمــــتردد والمنغلق على ذاته داخل خرسه. وهم مجتمـــعون في مكان واحد، وكأننا أمام أرخبيل قد تتقارب أجزائه وقد تتنافر. قد تلاحظ التقارب الحميمي بين أفراد هـــذه المجموعة، سواء على مستوى التعبير اللفظي أو الجسدي، وبالمقابل قد تكون شــــــاهدا على عنف لا حدود له بين بعضهم. إن هذا الأمر يبدو عاديا كما هو الشأن لدى الأطفال العاديين ، لكن الذي ليس بعــــــادي في ما يجري داخل مجموعة قسم الدمج المـــــدرسي هذا ،هو كون الانفتاح على الآخر قد لا ينبني على أحاسيس أفكار وتقييمات طفولية مسبقة ،بل على تلقائية قد تتعلق باللحظة الزمنية المعاشة أكثر مما تتعلق بما تراكم في العقل الباطن والذاكرة .
إلى جانب هذه الملاحظات التي قد تصيب أو قد تخطئ, هناك ملاحظة أخرى تتــــــعلق بكل جزيرة من ذلك الإرجيل .فمجموعة القسم هذه أفرادها يعبر كل واحد منهم بطريقته الخاصة .ففيهم الكثير الحركة والمستقر في مكانه, كما فيهم المــــــتوتر والهادئ, الصارخ والـــــباكي والضاحك دوما والمشتكي دوما, والمكتفي في حضوره بمــــلامح وجهه والمتقيء والمتمتم لشيء غير مفهوم، والراقص والمغني والممثل بدون علم احد .
إن أفراد هذه المجموعة يستبطنون كل ما كسبوه في عزلتهم العائلية من مشاعر وسلوكات ، إلى جانب ما تبقى لهم من إمكانات ذاتية قد تتحقق مستقبلا وقد لا تسفر عن شيء .
الملاحظة الثالثة هي حب هذه المجموعة للمدرسة وما توفر لهم من إمكانية الالتقاء والتفاعل.
فاغلبهم ،وحسب تصريحات ذويهم ،لا يتوانى في التعبير عن رغبته واحتجاجه للذهاـب إلى


-1-
المدرسة. فاكتشاف مكان جديد بالنسبة إلى هذه الفئة ، والتمسك بالــــــتواجد اليومي فيه ، هو بمثابة التعبير الصارخ عن رغبة تلك الفئة في الــــخروج من دائرة الموت التي وضعوا فيها قسرا ،وهو بالتالي تجريب إمكانات جديدة تقذف بهم إلى عالم منفتح ومخــــتلف عن عالمــها السابق .
وبخصوص علاقة المربي بهذه الفئة ،فقد لاحظت أن تطور ونمو مجموعة القسم هذه ، غالبا ما يرتبط بالقبول النفسي لدى المربي لهؤلاء التلاميذ ،الذين يتواجدون في وضـــعية خاصة، كآخرين مختلفين .بمعنى أن علاقة المربي بهذه الفئة يجب أن لا تنبني على أحاسيـتس الشفقة والدونية ، بل على الاحترام والاعتبار والتقدير .
لقد أظهرت لي التجربة المتواضعة التي انخرطت فيها مع تلاميذ ذوي الاحتياجات الخاصة، انه كلما زاوج المربي في طريقته بـــين المحبة والصرامة، كلما تعلق به هؤلاء الــــتلامــيذ وأحبوه .أما تلك المواقف الصارمة فإنها لا تؤجج في الغالب لديهم أحاسيس المسكنة والغبن التي طوقت بها بنيتهم النفسية .
هذه الفئة من التلاميذ لا تحتاج إلى الشـــــــفقة قدر ما تحتاج إلى التعامل معها كما هي دون
انتقاص، كما تحتاج كذلك إلى التشجيع والى من يدفع بها كي تتحمل مسئوليتها في عــــملية
إدماجها في المجتمع .هـــــذه الملاحظات الأولية تجعلنا نطرح الأسئلة حول جسامة المعاناة اليومية لهذه الفئة من البشر ،وعن صراعاتها المعزولة ضد التهميش والإقصاء المفروضين عليها .
إن السؤال الجوهري بخصوص هذا الموضوع هو ،ما مصير هذه الفئة التي تعد بالآلاف في مجتمع ما زالت تنخره الخرافة والشعوذة والفقر والأمية ؟والى أي حد ستعـــــــــمل القوانين الرسمية الخاصة بهذه الفئة ،على إخراجها من الجحيم المجتمعي الذي أرغمــت على الإقامة داخله ؟وهل المقاربة الاحسانية التي اعتمدتها الدولة وكذا اغلب الجمــــــعيات التي تعمل في مجال الإعاقة ،قادرة على تمكين هذه الفئة من حــــــقوقها الأساسية ،كحق الاعتراف ، وحق إثبات الذات كما هو الشأن بالنسبة للأطفال الأسوياء .
لحسن الضيف أستاذ قسم الدمج المدرسي