الدكتور محمد الدريج يوجه "نداء الأمل" بمناسبة الدخول المدرسي 2026-2027 مدرسة قد تنهار بصمت... وأبناؤنا هم الثمن
"نداء الأمل"
بمناسبة الدخول المدرسي 2026-2027
مدرسة قد تنهار بصمت... وأبناؤنا هم الثمن
د. محمد الدريج
مقدمة: صرخة قبل أن نصمت
كل دخول مدرسي هو موعد جديد مع الأمل، لكنه أيضًا موعد جديد مع الخيبة. نحن، الآباء والأمهات والفاعلين التربويين والمهتمين بمصير مدرستنا العمومية، لا ينبغي لنا مبدئيا، كتابة نداء من موقع المتفرج، بل من موقع من أنهكه الانتظار وأتعبه تكرار الوعود.
لذا نتقدم بهذا النداء لأننا نرفض أن يتحول الدخول المدرسي، سنة بعد أخرى، إلى طقس إداري باهت يُختزل في أرقام وتصريحات، بينما يبقى الطفل المغربي، في القسم الحقيقي، وحيدًا أمام أقسام مكتظة ومدرّسين منهكين وبنيات تحتية متهالكة وبرامج وطرائق متجاوزة.
لقد عرف الموسم الدراسي 2025-2026 التحاق ما يقارب 8.271.256 تلميذة وتلميذ بمختلف الأسلاك التعليمية، من بينهم أزيد من 7.004.533 بالتعليم العمومي، يؤطرهم نحو 299.129 مدرس، موزعين على أكثر من 12.400 مؤسسة تعليمية، من بينها قرابة 6.886 مؤسسة بالوسط القروي. كما استقبل التعليم الأولي حوالي 985.375 من الأظفال، بزيادة 4.5% مقارنة بالموسم السابق، منهم 663 ألف بالتعليم الأولي العمومي، فيما التحق حوالي 730 ألف تلميذ جديد بالسنة الأولى ابتدائي. أرقام ضخمة، نعم، لكنها تبقى مجرد أرقام إن لم تتحول إلى فصول مؤهَّلة وأساتذة كافين وأطفال يتعلمون بكرامة.
كما خصص مشروع قانون المالية لسنة 2026 لقطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي و الرياضة ، ميزانية غير مسبوقة تناهز 97 مليار درهم، بزيادة تفوق 13% مقارنة بالسنة السابقة. مبلغ ضخم بكل المقاييس، لكن السؤال الذي يؤرقنا ليس فقط "كم أنفقنا؟" بل "أين ذهبت الأموال، ولماذا لا تزال الكثير من المدارس القروية تفتقر إلى الماء والكهرباء والمرافق الصحية اللائقة، ولماذا لا يزال آلاف الأطفال يقطعون كيلومترات على الأقدام أو في وسائل نقل غير آمنة؟" فحين تتضخم الميزانيات ويبقى الواقع على حاله، يصبح من حقنا أن نتساءل بصوت عالٍ عن مصير هذه الاعتمادات.
ثم لماذا 60%من الأطفال في سن العاشرة لم يكونوا سنة 2023 قادرين على قراءة نص بسيط وفهمه؟
و339 نقطة هو متوسط المغرب في القراءة (في 2022 PISA)، مقابل 476 نقطة لمتوسط OCDE. ؟
إن إصلاح التعليم ليس مشروعًا حسابيًا يُقاس بالمليارات، بل قضية إنسانية متشابكة ومركبة، ترتبط بالمناهج والطرائق والتشريعات والبنيات التحتية وتكوين الأطر والحكامة والوضعية الاجتماعية للأسر، في آنٍ واحد. وكل تأخر في حلقة من حلقات هذه المنظومة، سواء كان نقصًا في الأطر أو ضعفًا في البنية التحتية أو غيابًا للدعم النفسي والاجتماعي أو تعثرًا في التكوين المستمر...، ينعكس سلبًا على باقي الحلقات، ويُدفع ثمنه في النهاية من رصيد أبنائنا ومستقبلهم.
ونجاعة هذا الاستثمار المالي الضخم رهينة بحكامة حقيقية لا شعارات جوفاء، حكامة تقوم على الشفافية والتقييم الموضوعي والدوري للبرامج والمشاريع، وعلى ربط صارم للمسؤولية بالمحاسبة في مختلف مستويات التدبير، المركزية والجهوية والإقليمية والمحلية، بحيث يُسأل كل متدخل عن النتائج المحققة في نطاق مسؤوليته، ولا تبقى الإخفاقات بلا تفسير ولا الإنجازات بلا تثمين. فالوقت الذي نضيّعه في التبريرات هو وقت مقتطع من عمر جيل بأكمله لا يمكن استرجاعه.
من هذا المنطلق، وإيمانًا منا بأن نجاح الدخول المدرسي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والدولة، نرفع هذا الملتمس/النداء، لا بوصفه قائمة مطالب باردة، بل بوصفه صوت آلاف الأسر التي تنتظر مدرسة تليق بأبنائها، متضمنًا مجموعة من التوصيات الموجهة إلى الأسر من جهة، وإلى وزارة التربية الوطنية من جهة أخرى.
أولًا: توصيات موجهة إلى الأسر
1. تعميم برامج التربية الوالدية بالمغرب.
في ظل تزايد مظاهر اللامبالاة وضعف بعض القدرات التربوية لدى الآباء والأمهات والعنف الأسري ...، ندعو في هذه المبادرة إلى تعميم ما يُعرف بـ"التربية الوالدية" (Parentalité) باعتبارها رافعة أساسية لحماية الطفل وتقوية الروابط الأسرية وتشجيعه على الاندماج الإيجابي في الحياة المدرسية. ويقتضي ذلك إدماج هذا المفهوم ضمن السياسات العمومية الموجهة للأسرة والطفولة، عبر برامج وطنية للتوعية والتكوين تستهدف الوالدين وتُبنى على مقاربات التربية الإيجابية القائمة على الحوار وفهم احتياجات الطفل النفسية والاجتماعية بدل أساليب العنف والقسوة.
ولإنجاح هذا التعميم، لا بد من تكوين الأطر التربوية والاجتماعية المعنية، من مرشدين ومربيات وعاملين اجتماعيين، على هذه المقاربات، وإشراك الجمعيات والفعاليات المدنية المحلية لتقريب هذه البرامج من الأسر، خاصة في المناطق النائية والفئات الهشة التي لا تصلها غالباً برامج التوعية الرسمية. كما ينبغي إدماج محاور التربية الوالدية ضمن برامج التربية الأسرية في المدارس والمساجد ودور الشباب، باعتبارها فضاءات تربوية يومية قريبة من المواطنين.
ويُعد الإعلام العمومي شريكاً أساسياً في هذا الورش، من خلال بث حصص وبرامج توعوية دورية صحفية وتلفزية وإذاعية ورقمية عبر شبكات التواصل، حول التربية الوالدية الإيجابية، تصل إلى أوسع شريحة ممكنة من الأسر المغربية. وبالموازاة مع ذلك، تبقى الحاجة ملحة لمواكبة الأسر التي تعيش أوضاعاً صعبة، كالفقر أو الطلاق أو المرض أو إعاقة الطفل، ببرامج دعم نفسي واجتماعي مندمجة، تكفل استمرارية الأثر التربوي وتحمي الطفل من مخاطر البيئة الأسرية غير المستقرة.
إن تعميم التربية الوالدية، بهذا الشكل المتكامل، لن يقتصر أثره على محاربة الهدر المدرسي والوقاية من السلوكات المضطربة و العنف وسوء المعاملة داخل الأسرة، بل سيسهم في بناء جيل يتمتع بنمو نفسي واجتماعي سليم، وهو ما يستوجب تعبئة وطنية تشمل الدولة والمجتمع المدني والإعلام على حد سواء.
2.المتابعة الدراسية والتربوية المستمرة:
ندعو الأسر في إطار التربية الوالدية المستهدفة، إلى متابعة أبنائها يوميًا في تحصيلهم الدراسي وسلوكهم، والتواصل المنتظم مع الأساتذة وإدارة المؤسسة، لأن غياب هذه المتابعة غالبًا ما يكون سببًا مباشرًا في التعثر الدراسي والانقطاع عن الدراسة والعديد من السلوكات المنحرفة. فالطفل الذي يشعر بأن أحدًا لا يسأل عنه في البيت، سيتعلم بسرعة ألا يهتم أحد بمصيره في المدرسة وربما في المجتمع كذلك.
3. تهيئة بيئة أسرية داعمة نفسيًا:
الدخول المدرسي مرحلة انتقالية قد تحمل قلقًا للطفل، خاصة في المستويات الأولى أو عند تغيير المؤسسة. لذا من الضروري خلق جو أسري مطمئن يشجع الطفل ويمنحه الثقة بدل الضغط عليه بالنتائج فقط، فالطفل ليس رقمًا في كشف النقط، بل إنسان يحتاج أن يُرى قبل أن يُقيَّم.
4. تنظيم وقت الطفل بين الدراسة والراحة:
الإفراط في استعمال الهواتف والشاشات أصبح من أبرز معيقات التركيز الدراسي. تدعو هذه التوصية الأسر إلى وضع جدول متوازن يخصص وقتًا للمراجعة، ووقتًا للراحة والأنشطة الترفيهية والرياضية، فالتوازن هو الذي يصنع تلميذًا متيقظًا لا تلميذًا مرهقًا أو مشتتًا.
5. توفير اللوازم المدرسية دون إثقال كاهل الأسرة:
مع ارتفاع تكلفة الدخول المدرسي سنويًا حتى أصبح عبئًا حقيقيًا على ميزانية الأسر المغربية، ندعو إلى التزود باللوازم الأساسية فقط دون مجاراة مظاهر الاستهلاك المفرط، مع تحسيس الأبناء بأن قيمة التمدرس لا ترتبط بكثرة الأدوات بل بالجدية في التحصيل.
ولا بأس أن ننوه هنا بمشروع "مليون محفظة" وهو برنامج اجتماعي أطلقته الدولة بهدف دعم تمدرس الأطفال، خصوصًا المنحدرين من الأسر الفقيرة والهشة، وتقليل كلفة الدخول المدرسي على الأسر.مع ضرورة تعميمه، والعمل بالموازاة مع ذلك، على إعادة النظر في موضوع انتاج وتوزيع الكتب المدرسية والبرمجيات والاجهزة الالكترونية.
6. الانخراط الفعلي في الحياة المدرسية:
نشجع الأسر على الانضمام إلى جمعيات آباء وأولياء التلاميذ والمشاركة الفعلية، لا الشكلية، في اجتماعات المؤسسة، لأن التعاون بين البيت والمدرسة يشكل ركيزة أساسية لنجاح العملية التعليمية، ولأن الصمت أمام الاختلالات لا يخدم أبناءنا بشيء.
7. غرس القيم الأخلاقية وقيم المواطنة:
لا تقل هذه المسؤولية أهمية عن التحصيل الدراسي نفسه، فالأسرة هي المدرسة الأولى للقيم وللضمير الأخلاقي، قبل أن يطأ الطفل عتبة المدرسة. ندعو الأسر إلى تربية أبنائها على الصدق وإتقان العمل والاحترام والتسامح وحب الوطن والانتماء الإيجابي لمجتمعهم، بالقدوة الحسنة قبل الوعظ، لأن الطفل يتعلم القيم بالمعايشة أكثر مما يتعلمها بالكلام. وبالموازاة، نطالب المؤسسة التعليمية بألا تكتفي بتلقين المعارف، بل أن تجعل من التربية على المواطنة وحقوق الإنسان والانضباط والمسؤولية الجماعية جزءًا حيًا من يومياتها، لا مادة تُدرَّس وتُنسى، لأن مدرسة تُخرِّج متعلمين بلا قيم تُخرِّج أزمة مؤجلة، ولأن جيلًا متشبثًا بهويته وقيمه واعتزازه بوطنه، هو أفضل ضمانة لمستقبل أمتنا الإسلامازيغوعربية.
ثانيًا: توصيات موجهة إلى وزارة التربية الوطنية:
1. الاستقرار في السياسة التعليمية:
نطالب بالكف عن كثرة الإصلاحات المتسرعة وغير المدروسة التي تربك الفاعلين التربويين والتلاميذ على حد سواء، والحرص على تقييم أي إصلاح بشكل جدي وعلمي قبل تعميمه، فمدرستنا ليست حقل تجارب متكررة.
وبأن يُبنى إصلاح المنظومة على رؤية شمولية متكاملة، لا تختزله في تدابير تقنية أو تنظيمية أو إجراءات معزولة عن سياقه المجتمعي، كما هو الحال في "مدارس الريادة"، بل تُدرجه ضمن فلسفة تقدمية ديموقراطية شاملة، تؤمن بمبادئ الانفتاح والتطور المستمر والمناصفة بين الجنسين والمساواة وتكافؤ الفرص بين جميع الفئات والمناطق، مع التأكيد على أن نجاح هذا الإصلاح رهين بتوفر إرادة سياسية قوية وصادقة تتجاوز الخطاب إلى الفعل الملموس والمستدام.
2. سد الخصاص في الأطر التربوية:
لا يُعقل أن يظل العديد من المؤسسات، خاصة بالعالم القروي والمناطق النائية، يعاني من نقص حاد في المدرسين، بينما تتحدث التقارير الرسمية عن أرقام توظيف مرتفعة. نطالب بتوظيف وترسيم ضمن الوظيفة العمومية وتوزيع عادل وشفاف للأطر التربوية يراعي الخصوصيات الجغرافية والتخصصات، لا أن يبقى أبناء القرى والمدارس في الهامش، رهينة الحظ في توفير المدرسين.
فضلا عن تحسين الأوضاع المادية والمعنوية لهيئة التدريس؛ إذ لا يمكن الحديث عن إصلاح تربوي حقيقي دون الاعتراف الصريح بمجهودات المدرسين، وتحسين وضعيتهم المادية والاجتماعية والاعتبار المهني، بما يضمن الاستقرار والدافعية في أداء المهمة التربوية. فأستاذ منهك ومُحبَط لا يمكنه أن يمنح أبناءنا أفضل ما عنده.
3.تأهيل البنيات التحتية للمؤسسات:
كيف نطلب من طفل أن يحلم بمستقبل مشرق في مدرسة تفتقر إلى الماء والكهرباء والمرافق الصحية اللائقة؟ هذا ليس نقصًا تقنيًا، بل إهانة لكرامة أبنائنا. لذا نطالب ببرنامج استعجالي ملزم سواء في مدارس الريادة أو تلك التي لم يطلها الإصلاح بعد... لتأهيل هذه البنيات قبل انطلاق كل موسم دراسي وليس بعده، مع نشر لوائح دقيقة بالمؤسسات المعنية وآجال تنفيذ واضحة.
4. تحديث وتبسيط المقررات الدراسية:
تعاني المناهج الحالية من تراكمات معرفية واكتظاظ وصعوبة لا تتناسب مع القدرات الاستيعابية للتلاميذ ولا تراعي دائما فروقهم الفردية في بعض المستويات وغير مندمجة مع السياقات المختلفة، وهو ما يحوّل التعلم إلى عبء بدل أن يكون متعة اكتشاف. لكل ذلك ، نطالب بمراجعة شاملة وجريئة تركز على الجودة بدل الكم، وعلى الكفايات بدل الحشو المعرفي وعلى تنمية التفكير النقدي و روح الابداع.
5. تفعيل الدعم التربوي والنفسي: "من الشعارات إلى الإنقاذ الفعلي".
نطالب بالقطع مع منطق البرامج الاستعراضية التي لا تتجاوز الخطابات الرسمية والمذكرات المكتبية، وبوضع آليات فعلية وملموسة لمواكبة التلاميذ في وضعية تعثر دراسي أو صعوبات تعلم حقيقية، لا صورية. فتجربة برنامج "طارل" كشفت حدودها بشكل صارخ: خلايا إنصات بلا أخصائيين، ومذكرات دعم بلا ميزانيات، ومؤشرات نجاح على الورق تُخفي واقعاً مدرسياً يزداد فيه الهدر والتعثر والانقطاع عن الدراسة.
إننا لا نطالب بمزيد من البرامج الشكلية، بل بإرادة سياسية حقيقية تترجم إلى: توظيف أخصائيين نفسيين واجتماعيين بأعداد كافية ومؤهلين فعلياً، وتخصيص ميزانيات مستقلة وملزمة لهذا الدعم بدل تركه رهين فائض الموارد أو حسن نية الفاعلين المحليين، وإحداث آليات تتبع صارمة ومستقلة تكشف الفجوة بين ما يُعلن في الخطابات وما يجري فعلاً داخل المؤسسات.
فخلية الإنصات التي لا يوجد بها منصت، واللافتة المعلقة على باب فارغ، ليستا دعماً تربوياً ونفسياً، بل هما شهادة إضافية على تخلي المدرسة العمومية عن أضعف تلامذتها، في الوقت الذي يُفترض أن تكون فيه أول من يحميهم وينقذهم من دائرة الفشل والإقصاء.
6. ضمان النقل المدرسي:
غياب أو ضعف خدمات النقل المدرسي بالمناطق القروية والنائية سببٌ رئيسي للهدر المدرسي، خصوصًا في صفوف الفتيات اللواتي يدفعن الثمن الأول لهذا الإهمال. نطالب بتعميم هذه الخدمة فورًا وتقوية أسطولها، فأمن أبنائنا في طريقهم إلى المدرسة ليس تفصيلًا يمكن تأجيله.
7. تحسين منظومة الإطعام المدرسي والداخليات:
نطالب بالرفع الفعلي من جودة الوجبات المقدمة للتلاميذ وتوسيع رقعة الاستفادة منها، مع تحسين ظروف الإقامة بالداخليات لضمان استمرارية التمدرس، لأن طفلًا جائعًا أو مرهقًا لا يمكنه أن يتعلم مهما بلغت جودة المنهاج.
8. تعميم التكنولوجيات الحديثة والولوج إلى الإنترنت: نطالب بتجهيز جميع المؤسسات، حتى بالمناطق النائية، بالوسائل الرقمية اللازمة لمواكبة التحول الرقمي وتقليص الفوارق بين المؤسسات الحضرية والقروية، فالفجوة الرقمية اليوم هي فجوة في تكافؤ الفرص غدًا.
9. إشراك الآباء والمجتمع المدني في تدبير الشأن التربوي:
نطالب في إطار ما أسميناه بالتربية الوالدية "، بتفعيل شراكة حقيقية، لا صورية، بين المؤسسة والفاعلين المحليين و الجمعويين، بما يضمن حكامة تشاركية تراعي حاجيات كل منطقة، ويمنح الآباء والأمهات دورًا فعليًا في القرار لا مجرد الحضور الشكلي.
10. توسيع وتقييم تجربة مدارس الريادة بشفافية:
نظرًا للأهمية التي يحظى بها هذا البرنامج ضمن خارطة الطريق الإصلاحية، في نظر الوزارة على الأقل، والذي بلغ عدد مؤسساته الابتدائية 4.626 مؤسسة والإعدادية 786 مؤسسة تستفيد منها ملايين التلميذات والتلاميذ، نطالب قبل الاستمرار في تعميمه ، بتوفير الشروط الحقيقية لنجاحه من تكوين المدرسين والأطر الإدارية والتقنية وتجهيز الفصول وتوفير الكتب المدرسية والتجهيزات الالكترونية وتأهيل مستخدميها وتقليص الاكتظاظ ، وإجراء تقييم موضوعي ودوري لنتائجه بشفافية تامة، وتعميم التجارب الناجحة منه على باقي المؤسسات، بدل الاكتفاء بالطابع الإعلامي للمبادرة دون أثر ملموس على جودة التعلمات.
11. تفعيل التكوين المهني ومدارس الفرصة الثانية:
تكشف الأحداث المؤلمة التي عرفتها مدينة سبتة، وتكرر محاولات القاصرين غير المرفقين والشباب المغاربة اقتحام السياج أو ركوب قوارب الموت في ظروف بالغة الخطورة، عن أزمة عميقة تتجاوز جدران المؤسسة التعليمية. فوراء كل قاصر يخاطر بحياته بحثًا عن "فرصة" في الضفة الأخرى، تختبئ غالبًا قصة انقطاع دراسي مبكر، وغياب أفق مهني، وشعور باليأس من منظومة لم تمنحه فرصة ثانية حين تعثر. إننا لا نقرأ هذه المآسي كأحداث معزولة، بل كمرآة تعكس فشلنا الجماعي في استيعاب فئة واسعة من شبابنا.
وحسب المعطيات الرسمية، بلغ عدد المنقطعين عن الدراسة نحو 276 ألف تلميذة وتلميذ خلال الموسم الدراسي 2024-2025 وحده، في وقت تتعمق فيه اختلالات بنيوية في منظومة التكوين المهني، حيث
رصد تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي اختلالات عميقة تحدّ من قدرة التكوين المهني على استيعاب المنقطعين عن الدراسة في سن مبكرة وعن تحقيق اندماج فعلي في سوق الشغل، أبرزها غياب تحديد دقيق ومؤسساتي للأدوار المنوطة بالقطاع، وفشله في الاستجابة للطلبات لحاجيات المقاولات كمّاً ونوعاً بسبب تقادم العرض التكويني.
وفي وقت لا تضم فيه شبكة مدارس الفرصة الثانية-الجيل الجديد، التي تشرف عليها مديرية التمدرس الاستدراكي والمدرسة الدامجة (مديرية التربية غير النظامية سابقا) بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بشراكة مع نحو 190 جمعية مدنية، سوى حوالي 236 مركزًا موزعة على 12 جهة، تستوعب ما يقارب 18 إلى 20 ألف مستفيد ومستفيدة سنويًا فقط، رغم أن الحصيلة التراكمية لهذا البرنامج مكّنت من إعادة إدماج نحو 35 ألف شاب وشابة خلال السنوات الأخيرة. فالفجوة بين حجم الظاهرة وحجم الاستجابة لا تزال شاسعة، وهو ما يفسر جزءًا من مأساة القاصرين الباحثين عن أفق آخر خارج الحدود. لذا نطالب بتوسيع حقيقي وواسع لمدارس الفرصة الثانية بما يواكب الحجم الفعلي للمنقطعين لا نسبة محدودة منهم، وبتعزيز الموارد البشرية واللوجستية للمديرية لتمكينها من الاضطلاع بمهامها، وبتقوية التكوين المهني وربطه الفعلي بحاجيات سوق الشغل ليصبح مسارًا كريمًا يُقصد باختيار لا خيارًا أخيرًا يُفرض بالإحباط، لأن مدرسة لا تفتح أبوابها لمن تعثر فيها مرة، تدفع أبناءها، عاجلاً أو آجلاً، نحو مسارات الهجرة غير النظامية والمجهول.
خاتمة: نداء أخير قبل فوات الأوان:
إن نجاح الدخول المدرسي وتحقيق الجودة المنشودة في منظومتنا التعليمية رهين بمقاربة شمولية تجمع بين المجهود المالي والإرادة السياسية الحقيقية من جهة، والحكامة الرشيدة وربط المسؤولية الصارم بالمحاسبة من جهة أخرى، إلى جانب انخراط فعلي وصادق لجميع الأطراف: الأسرة والمدرسة والدولة والمجتمع المدني.
نحن لا نطلب المستحيل، بل نطلب ما هو حق أبسط طفل مغربي: مدرسة آمنة، أستاذ حاضر، فصل مؤهَّل، ومستقبل لا يُختصر في أرقام الميزانية. وإننا إذ نتقدم بهذا النداء، فإننا نعلم أن الكلمات وحدها لا تبني مدارس ولا تسد خصاصًا، لكننا نرفض أن نصمت بينما جيل كامل ينتظر. نأمل، ونحن نراقب باهتمام، أن تجد توصياتنا آذانًا صاغية وتُترجم إلى إجراءات ملموسة وآجال محددة تُخدم بها مصلحة أبنائنا ومستقبل بلادنا، قبل أن يتحول الأمل، مرة أخرى، إلى مجرد انتظار.
القنيطرة، 1سبتمبر2026
